المجالس العلميةالمجلس الفقهي

شرح الموطأ|الدكتور مبروك زيد الخير|الدرس06: كتاب وقوت الصلاة – باب وقوت الصلاة (الجزء الرابع)

تحميل المحاضرة في ملف صوتي (MP3)

 

باسم الله , الحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله ,أما بعد:

ممّا جرت عليه العادة ,ككل أربعاء , ما بين العشاءين هو أن يشرفنا شيخنا الفاضل بدرس في مجلس فقه ,يشرح فيه “الموطّأ” للإمام مالك ,رحمه الله ,ونفعنا بعلمه , حيث لا يكون الإقبال على هذا الدرس إلا بافتتاح المجلس ,بدعاء ممزوج بمناجاة ,حمد وثناء على الله تعالى , ثم الصلاة والسلام على رسوله الكريم . وبعدها يشرع شيخنا في حديثه الممتع المفيد ,معتمدا في أدائه على وسيلة ربط الدرس السابق كتمهيد لدرس جديد ,فكان من ضمن كلامه قوله أنّه سيستكمل مسيرة الشرح لسلسلة الأحاديث الشريفة المكونة لكتاب جليل المسمى بـ:”الموطأ” ,إذ خطا الشيخ في شرح الحديث الرابع منه بخطى ثابتة مستوفيا جل نواحي الحديث من فقه أحكام , ونحو وافي ,وأدب راقي , ففي الفقه شدّد الشيخ على باب وقوت الصلاة بما قاله في دروس مضت فهو يعتبرها شرط صحة من الشروط الأساسية لأداء الصلاة ,و التي من الواجب أن يعرفها كل المسلم .كما ذكّرنا إن هذه المواقيت من وضع الشارع تعالى فهي أمر توقيفي من الله , وعبّر الشيخ على كونها الظرف الذي فيه تتم العبادة.لذلك كان أمر الصلاة في وقتها بقوله تعالى (إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا).فالذي وقّت الوجود وأوجد الموجودات ,و رتب الكائنات, هو الذي وقّت أوقات الصلاة , والله لا يعبد إلا بما يريد , وكما لا يخفى على أي مسلم معتقدا إنّ رسالة الرسل كانت التبليغ عن الله ,ببلاغ يؤدي به البشر , مطلوب الله تعالى من البشر .
ثم أعاد علينا الشيخ كيفية تقسيم أوقات الصلاة إلى ما بين قسمين , حيث لا يمكن خروج وقت أداء الصلاة الواجبة إلا في هذين القسمين , وهما الاختياري ,والضروري ,فوقت الاختيار من كل صلاة هو الوقت الواجب لتأديتها لها سواء في أول وقت الاختياري أو في وسطه أو في أخره.صاحبه مأجور على تأدية واجبه بلا إثم عليه , أما الضروري فهو الذي لا يجوز فيه للمؤمن أن يتأخر إليه إلا بعذر شرعي ,أو كون هناك مانع من الموانع الشرعية التي تمنع الإنسان من أن يصلي في الاختيار , فإذا ما أخر الصلاة بعذر , فالعذر هو وسيلة للمحاججة به أمام الله ,لأن الإنسان سيسأل عن تأخير الصلاة ويؤثم إذا لم يكن ذا عذر من الأعذار .واليكم مرة أخرى تقسيم لأوقات الصلاة بين الاختياري والضروري :
أولا: الاختياري:وهو الوقت الذي يطالب فيه أداء الصلاة لكل أحد.
ثانيا: الضروري:يأثم من أدى الصلاة فيه إلا لأصحاب الضرورات الشرعية، وهو يأتي عقب الاختياري.
1- صلاة الظهر:-الاختياري: من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله مضافا إليه ظل الاستواء وهو آخر الوقت الاختياري وأول وقت العصر…..-الضروري: من دخول وقت العصر الاختياري إلى غروب الشمس.
2- صلاة العصر:-الاختياري: من وقت أن يصبح ظل كل شيء مثله مضافا إليه ظل الاستواء، ويمتد حتى الاصفرار….-الضروري: من اصفرار الشمس حتى الغروب.
3- صلاة المغرب:الاختياري: من غروب الشمس بجميع قرصها بقدر ما يسع ثلاث ركعات تحصيل شروطها من طهارتي الحدث والخبث وستر العورة، ولا امتداد له على المشهور وقيل يمتد إلى غياب الشفق الأحمر…-الضروري: يبدأ عقب الاختياري ويمتد إلى طلوع الفجر.
4- صلاة العشاء:الاختياري: من مغيب الشفق الأحمر ويمتد إلى ثلث الليل الأول ( الليل: من الغروب إلى الفجر )….-الضروري: من انتهاء الثلث الأول من الليل ويستمر إلى طلوع الفجر الصادق .
5- صلاة الصبح:الاختياري: من طلوع الفجر الصادق إلى الإسفار البين…-الضروري: من الإسفار إلى طلوع الشمس.

كما إن الشيخ ذكر لنا أبيات للإمام المختار الشنقيطي رتب فيها أوقات الصلاة بين الاختياري والضروري لكل صلاة (يمكن العودة إليها بعد نشر الدرس السمعي البصري) وبعد سرد هذه الأبيات المهمة قال الشيخ: إن بعد هذه الأوقات (الاختياري والضروري ) ,يأتي القضاء للصلاة الفائتة وهذه مسألة أخري من مسائل فقه أوقات الصلاة أداء وقضاء.
فكونك تؤدي الصلاة في وقتها الاختياري فهذا تؤجر عليه , وفي الضروري تؤثم على تأخيرها بدون عذر ولا تؤثم بإثبات عذر, فأنت تؤدي ما عليك من واجب فقط.أما إذا خرج الوقت الاختياري والضروري معا ,فأنت حينئذ تقضي ولا تؤدي .والقضاء لا يكون له دائما أجر الأداء لأنّ الإنسان إذا ما فاتته صلاة ما في وقتها خسر الكثير كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ” فاتته في وقتها كما يقول بن العربي في “القبس”:(فاتته في وقتها فإنه كأنما خسر أهله وماله جميعا).وعاد شيخنا الفاضل ليسرد علينا شيئا من التاريخ الإسلامي يتعلق بتأخير الصلاة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم – فلقد كان بعض أمراء بنو أمية يؤخرون الصلاة كما اشرنا ذلك سلفا وكان منهم الوليد بن عبد الملك,وكان منهم الحجاج بن يوسف الثقفي,أمير العراقين , ومنهم عبد الله بن زياد ,وأيضا زياد بن أبيه . كانوا جميعا يؤخرون الصلاة , ولكن الإمام مالك رحمه الله كان ينادي بأعلى صوته ويقول انه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها الاختياري بل لا بد أن تؤدى في وقتها .وقال “إنّ السنّة تؤدى الصلاة في وقتها ” وقال لقائل مرة و هو يجادله ” يا هذا إن سنّة نبيّنا كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق فإن أردت أن تنجو فاركب معنا في سفينة السنّة ,فإنك ستصل إلى غايتك وإلى هدفك المرتجى” .كما إنّ ما يعضد هذا الكلام ما روي عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :أنّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم –كان يقول للصحابة رضوان الله عليهم :(إنّكم في زمان قد كثر علماؤه , وقلّ خطباؤه , يطيلون الصلاة , ويقصرون الخطبة , وسيأتي عليكم زمان يكثر خطباؤه ويقل علماؤه ,يطيلون الخطبة , ويقصرون الصلاة ).مع أنّ النبيّ- صلى الله عليه وسلم –كان يقول (أرحنا بها يا بلال ).فالصلاة من المفروض هي ان تكون راحة بال , وطمأنينة حال , وتكون هي محور الاشتغال , بالنسبة للإنسان حتى يجد نفسه قد وصل إلى غاية على حد قول شيخنا الفاضل .ومن هنا إذا ما وقع هذا التأخير على الإلزام فصلوا الصلاة في وقتها وحدكم ,وإن ألزمتم وأحرجتم فصلوا معهم وهو يقصد الأمراء الذين كانو موجودين آن إذ, واعتبروا ما صليتم فريضة , وما صليتم معهم نافلة , والمهم فى كل هذا المحافظة على وقت الصلاة.

وسنأتي الآن إلي ذكر تراجم وتعريفات مختصرة على رجال ونساء الحديث ثم نشرح المفردات الصعبة الواردة في الحديث ونقف في الأخير عند أهم الأحكام الفقهية المستنبطة من هذا الحديث الشريف.نبدأ بشخصية التابعي الجليل سيدنا يحي بن سعيد والذي قال عنه شيخنا الفاضل نقلا عن الإمام السيوطي من كتابه “إسعاف المبطأ برجال الموطأ”: ( يحيى بن سعد بن قيس الأنصاري أبو سعيد المدني قاضيها روى عن أنس وعدي بن ثابت وعلي بن الحسين وخلق وعنه أبو حنيفة ومالك وشعبة والسفيانان والحمادان والليث وخلق قال بن المديني له نحو ثلاثمائة حديث وقال بن سعد ثقة كثير الحديث حجة ثبت وعده السفيانان “سفيان الثوري, وسفيان بن عيينة”من الحفاظ وقال أحمد يحيى بن سعد أثبت الناس مات سنة ثلاث وأربعين ومائة.)
وأما الشخصية الثانية فهي عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة بن عُدُس ، الأنصارية النجارية المدنية ، الفقيهة، تريبة أي بمعنى أنها تربت في حجر عائشة وتلميذتها ، قيل : لأبيها صحبة ، وجدها سعد من قدماء الصحابة ،وكانت عالمة ، فقيهة ، حجة ، كثيرة العلم, وتعرف أيضا بوالدة “أم الرجال “.ومما جاء في الاثر عنها أنه كتب عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد إلى أبي بكر بن محمد بالمدينة: “انظر ما كان من حديث رسول الله، أو سُنَّةٍ ماضية، أو حديث عَمْرَةَ فاكتبه؛ فإني خفت دُروسَ العلم، وذهابَ أهلِه”. توفيت عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية وهي ابنة سبع وسبعين سنة، وقد اختلفوا في وفاتها؛ فقيل توفيت سنة ثمان وتسعين، وقيل توفيت في سنة ست ومائة. رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
.”
وأهم شخصية في رواة هذا الحديث هي أمنا عائشة- رضي الله عنها- وأم المؤمنين هي الّسيّدة الطاهرة ,النقية , . , العفيفة ,صاحبة المقام العلي ,وهي الصديقة بنت الصديق ، أمها أم رومان بنت عامر بن عويمر الكِنَانية ولدت في الإسلام بمكة المكرمة في العام الثامن قبل الهجرة . تزوجها ( أي عقد عليها ) رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة ببضعة عشر شهراً ، وهي بنت ست سنوات ، ودخل بها في شوّال من السنة الثانية للهجرة وهي بنت تسع سنوات ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت:( تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لست سنين ، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين). متفق عليه ,لم يتزوج صلى الله عليه وسلم من النساء بكراً غيرها ، وكانت تفخر بذلك ، وهي زوجته صلى الله عليه وسلم في الدنيا و الآخرة كما ثبت في الصحيح.
كان لها رضي الله عنها منـزلة خاصة في قلب رسول الله ، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم ( أي الناس أحب إليك يا رسول الله ؟ قال: عائشة قال فمن : الرجال ؟ قال: ( أبوها.)متفق عليه. وروى البخاري أنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ:” إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي وَأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ “..
كانت السيدة عائشة رضي الله عنها عالمة مفسرة ومحدثة، تعلم نساء المؤمنين، كانت تتصف السيدة عائشة رضي الله عنها بالعقل النير، والذكاء الحاد، والعلم الجم , وكان في حياة السيدة عائشة رضي الله عنها الدور الفعال في خدمة الفقه و الفكر الإسلامي من خلال نقلها لأحاديث رسول الله وتفسيرها لكثير من جوانب حياة الرسول صلى الله عليه وسلم .
فقد قال عنها عروة بن الزبير ( ما رأيت أحداً أعلم بالقرءان ولا بفرائضه ولا بحلال ولا بحرام ولا بشعر ولا بحديث عرب ولا بنسب من عائشة).
قال أبو موسى الأشعري:(ما أشكل علينا –أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً).
وكانت تدرس النساء وكذلك الرجال لكن من وراء حجاب وهذا يدل على أن صوت المرأة ليس بعورة .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ” رواه البخاري ومسلم
قال الأحنف بن قيس:” سمعت خطبة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، فما سمعت الكلام من في مخلوق أحسن ولا أفخم من في عائشة رحمة الله عليهم أجمعين”
توفيت السيدة عائشة رضي الله عنها وهي في السادسة و الستين من عمرها، في الثامنة والخمسين للهجرة بعد أن تركت أعمق الأثر في الحياة الفقهية و الاجتماعية والسياسية للمسلمين. وحفظت لهم بضعة آلاف من الحديث عن رسول صلى الله عليه وسلم. رضي الله تعالى عنها وجمعنا بها في أعلى عليين .
وبالعودة إلي نص الحديث نجد أنّ هناك ألفاظ تحتاج إلى الشرح ومنها : متلفعات ويقصد بها متلففات أي غطت جميع اطراف اجسادهن بكساء خفيف وهو المرط حيث لا يعرفن أمام من ينظر إليهن. وكلمة مروطهن جمع مرط وهي أكسيةٌ من صوفٍ أو خز خفيفة كان يؤتزر بها. وأما ا الغَلَس فهو : ظُلْمة آخر الليل إِذا اختلطت بضوء الصباح.وبعد هذ الشرح قدم الشيخ لفتة نحوية جميلة وهي “إن” التي جاءت في الحديث عدّها اهل اللغة أداة توكيد مصدرية ونصب , وفي بعض الاحيان تخفف كما هو حالها فى هذا الحديث , وما جاء بعدها من تتمة الكلام فى “ليصلي” هي “لام ” الفارقة و يعبر عنها بــ : (…إنّه ليصليّ إلا….) .
ومن الاحكام المستنبطة من هذا الحديث بعد تأكيد سيدّنا مالك رضي الله عنه عن الوقت الاختياري لصلاة الصبح هو جواز صلاة الجماعة في المسجد للنساء,ومشروعية حجاب المرأة , وكذلك إشارة تحديد ووصف ماتلبسه المرأة في الصلاة ,واخيرا جواز دخول النساء المسجد.
وفي الختام نسأل الله بما سأل به رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله ,اللهم علمنا وانفعنا بما علمتنا.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *