المجالس العلميةالمجلس الفقهي

شرح الموطأ|الدكتور مبروك زيد الخير|الدرس12: كتاب وقوت الصلاة – باب وقت الجمعة(2)

تحميل المحاضرة في ملف صوتي (MP3)

بسم الله الرحمان الرحيم
اللهم اغننا بالعلم وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى وجملنا بالعافية، يا عظيم العفو العلم يا حسن التجاوز، يا ولي العافية عفوك من النار.

يارب إن ذنوبى فى الورى كثرت *****وليس لدي عمل فى الحشر ينجينى
وقد أتيتك بالتوحيد يصحبه ***** حب النبى وهذا القدر يكفينى
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
الحديث(13):
حَدَّثَنَي يحي عن مَالِكٌ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ قَالَ : ” كُنْتُ أَرَى طِنْفِسَةً لِعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تُطْرَحُ إِلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ الْغَرْبِيِّ ، فَإِذَا غَشِيَ الطِّنْفِسَةَ كُلَّهَا ظِلُّ الْجِدَارِ ، خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَصَلَّى الْجُمُعَةَ ” ، قَالَ مَالِكٌ – وَالِدُ أَبِي سُهَيْلٍ- ، ثُمَّ نَرْجِعُ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، فَنقِيلُ قَائِلَةَ الضُّحَاءِ”.
أنتم تعلمون أيها الإخوة أن الوقت هو القدر المحدود للفعل الذي يؤتى بأمر الله تعالى عبادة وقربى، والوقت هنا في الحديث يتعلق بالصلاة، والصلاة هي أشرف العبادات وأسماها.

وقد جاء في صحيح مسلم أن لها خصائص عدة أوردها كثير من الشراح منها أنها يوم عيد، وشرع لها من الغسل ما كان قد شرع للعيد، ومن خصائصها أيضا قراءة سورة الكهف في يومها وقيل في يومها وليلتها ، إلى غير ذلك من خصائص وصلت إلى ثلاثين خاصية. ولذلك أوتيت هذه الصلاة من قيمة ما لا لغيرها.
وقد جاء في الأمر بالإكثار من الصلاة والسلام على خير الأنام يوم الجمعة حديث كثير : روى البيهقي في السنن الكبرى:… عن انس قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكثروا الصلاة على يوم الجمعة وليلة الجمعة فمن صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا …وفي شعب الإيمان : عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أكثروا علي الصلاة في يوم الجمعة ، وليلة الجمعة ، فمن فعل ذلك كنت له شهيدا ، أو شافعا يوم القيامة”
وفي مستدرك الحاكم : عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” أكثروا علي الصلاة في يوم الجمعة ، فإنه ليس أحد يصلي علي يوم الجمعة إلا عرضت علي صلاته “.. وهذا حديث صحيح الإسناد.
هاهنا يحدد لنا الإمام مالك الجمعة توقيتا، وقد سميت سورة من القرآن باسمها
إذا أذن للصلاة فواجب على كل مسلم القدوم إليها.ولعل اسمها جاء عند العرب قديما من العَروبة يوم جمع كعب بن لؤي جمع القوم في يوم العروبة فسمي اليوم بيوم الجمعة لاجتماعهم فيه، أو لعل اسمها جاء بعض المؤمنين إلى المدينة يوم جمع اسعد بن زرارة المسلمين بعد هجرة إلى المدينة فوعظهم وذكرهم،ثم قال من جملة ما قال إن الله تعالى جمعنا فسمي ذلك اليوم يوم الجمعة لاجتماع المؤمنين يومها، والجُمْعة هي الاجتماع الذي يقع،فكل مكان نجتمع فيه فهو جُمْعة، أمّا الجُمُعَة ما يقع داخل الزمن من السبب الذي تسبب في الجمع والسبب هنا الذي نجتمع عليه هو الصلاة.
وقد تطلق الجمعة على الأسبوع وقد جاء في قول نبينا صلى الله عليه وسلم:” لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، فَتَكُونُ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَتَكُونُ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونُ السَّاعَةُ كَالضَّرَمَةِ بِالنَّارِ “.
وليست القضية في الاسم بقدر ما هي في المضون. ليست المسألة مسألة تتعلق بالزمن بل بالمُزمِنِ الحَّال في الزمن وهو العبادة التي تكون فيه والتي تعطيه شرفا وخصوصية وقد كان ذلك للجمعة.
على كل ففي هذا الحديث يحدد لنا الإمام مالك هنا وقتا إضافيا على غرار مواقيت الصلاة اليومية المعروفة فذكر لنا الجمعة، وما جاء به في آخر الحديث السابق ذكره أنهم يصلون الظهر بعشي وهذا يعني أنها تكون في زمن ممدود بعد الزوال. ومادامت الجمعة في وقت الظهر فلا مانع أن تكون بعشي كما ذكر الحديث السابق، إلا أن المعنى هنا كأنه يقول أنني حددت لكم المواقيت وما تركت لكم صغيرة ولا كبيرة إلا ذكرتها، ومن جملة ما ذكر وقت الجمعة التي أوتيت خصوصية وشرفا.
يذكر ابن قيم الجوزية أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمها وإعلاء شأنها، فقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم في هذا: ” أَفْضَلُ أَيَّامِكِمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ : فِيهِ خُلِقَ آدَمُ , وَفِيهِ قُبِضَ , وَفِيهِ النَّفْخَةُ , وَفِيهِ الصَّعْقَةُ , فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ ” ، قَالُوا : وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ ؟ يَقُولُونَ بَلِيتَ ، فَقَالَ : ” إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ”
وقال صلى الله عليه وسلم أيضا:” أكثروا من الصلاة علي في يوم الجمعة و ليلة الجمعة ، فمن فعل ذلك كنت له شهيدا و شافعا يوم القيامة”.
يشير ابن عبد البر أن الصلاة هنا إشارة إلى تكثيف العبادة، إذ من أُمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هو مأمور بأن يؤدي العبادات الأخرى، فالمسألة ليست مقصورة على الصلاة على النبي حصرا إنما المراد القرب من الله ، ومن أسباب القرب هذا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي مأمور القرآن بنص الآية الكريمة :”إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً”.
إن صلاة الله على حبيبه صلى الله عليه وسلم ليست كصلاة الملائكة عليه، ولا كصلاتنا نحن البشر عليه، فصلاة المولى عليه رحمة، وصلاة الملائكة استغفار، وصلاتنا دعاء كما ذكر ذلك القرطبي في تفسيره لهذه الآية.
وفي هذا المقام ينشد أحد العارفين:

أدم الصّلاة على الحبيب*** فصلاته نور وطيب
واطلب بها ما ترتجي***تنل بها أوفى نصيب
فالله صلّى والملائـ***كة الكرام على الحبيب
ان الصلاة علـــى رسول ***الله شمس لا تغيــــــب
فإذا دعوت الله في*** أمر عظيم أو عصيب
فابدأ دعاءك واختتمه*** بالصّلاة على الحبيب
***صلى الله عليه وسلم***
وصلاة الجمعة من آكد الفروض، كما يذكر ابن عربي في “القبس في شرح موطأ الإمام مالك ابن أنس” أنها من مجامع الإسلام أي في الدرجة الثانية بعد عرفات لأنها ملقى الناس واجتماعهم ، وما أدراك ما عرفات.فالموقفين يتشابهان في الإقبال على الله والاجتماع بين يديه جماعات.

إِلى عَرَفاتِ اللَهِ يا خَيرَ زائِرٍ ***عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ في عَرَفاتِ
وَيَومَ تُوَلّى وُجهَةَ البَيتِ ناضِراً*** وَسيمَ مَجالي البِشرِ وَالقَسَماتِ
عَلى كُلِّ أُفقٍ بِالحِجازِ مَلائِكٌ*** تَزُفُّ تَحايا اللَهِ وَالبَرَكاتِ
إِذا حُدِيَت عيسُ المُلوكِ فَإِنَّهُم ***لِعيسِكَ في البَيداءِ خَيرُ حُداةِ
لَدى البابِ جِبريلُ الأَمينُ بِراحِهِ رَسائِلُ رَحمانِيَّةُ النَفَحاتِ
وَفي الكَعبَةِ الغَرّاءِ رُكنٌ مُرَحِّبٌ بِكَعبَةِ قُصّادٍ وَرُكنِ عُفاةِ
وَما سَكَبَ الميزابُ ماءً وَإِنَّما أَفاضَ عَلَيكَ الأَجرَ وَالرَحَماتِ
وَزَمزَمُ تَجري بَينَ عَينَيكَ أَعيُناً مِنَ الكَوثَرِ المَعسولِ مُنفَجِراتِ
وَيَرمونَ إِبليسَ الرَجيمَ فَيَصطَلي*** وَشانيكَ نيراناً مِنَ الجَمَراتِ
يُحَيّيكَ طَهَ في مَضاجِعِ طُهرِهِ*** وَيَعلَمُ ما عالَجتَ مِن عَقَباتِ
وَيُثني عَلَيكَ الراشِدونَ بِصالِحٍ*** وَرُبَّ ثَناءٍ مِن لِسانِ رُفاتِ
لَكَ الدينُ يا رَبَّ الحَجيجِ جَمَعتَهُم*** لِبَيتٍ طَهورِ الساحِ وَالعَرَصاتِ
أَرى الناسَ أَصنافاً وَمِن كُلِّ بُقعَةٍ*** إلَيكَ اِنتَهَوا مِن غُربَةٍ وَشَتاتِ
تَساوَوا فَلا الأَنسابُ فيها تَفاوُتٌ*** لَدَيكَ وَلا الأَقدارُ مُختَلِفاتِ
عَنَت لَكَ في التُربِ المُقَدَّسِ جَبهَةٌ*** يَدينُ لَها العاتي مِنَ الجَبَهاتِ
مُنَوِّرَةٌ كَالبَدرِ شَمّاءُ كَالسُها*** وَتُخفَضُ في حَقٍّ وَعِندَ صَلاةِ
وَيا رَبِّ لَو سَخَّرتَ ناقَةَ صالِحٍ*** لِعَبدِكَ ما كانَت مِنَ السَلِساتِ
وَيا رَبِّ هَل سَيّارَةٌ أَو مَطارَةٌ*** فَيَدنو بَعيدُ البيدِ وَالفَلَواتِ
وَيا رَبِّ هَل تُغني عَنِ العَبدِ حَجَّةٌ*** وَفي العُمرِ ما فيهِ مِنَ الهَفَواتِ
وَتَشهَدُ ما آذَيتُ نَفساً وَلَم أَضِر*** وَلَم أَبغِ في جَهري وَلا خَطَراتي
وَلا غَلَبَتني شِقوَةٌ أَو سَعادَةٌ*** عَلى حِكمَةٍ آتَيتَني وَأَناةِ
وَلا جالَ إِلّا الخَيرُ بَينَ سَرائِري*** لَدى سُدَّةٍ خَيرِيَّةِ الرَغَباتِ
وَلا بِتُّ إِلّا كَاِبنِ مَريَمَ مُشفِقاً*** عَلى حُسَّدي مُستَغفِراً لِعِداتي
وَلا حُمِّلَت نَفسٌ هَوىً لِبِلادِها*** كَنَفسِيَ في فِعلي وَفي نَفَثاتي
وَإِنّي وَلا مَنٌّ عَلَيكَ بِطاعَةٍ*** أُجِلُّ وَأُغلي في الفُروضِ زَكاتي
أُبلَغُ فيها وَهيَ عَدلٌ وَرَحمَةٌ*** وَيَترُكُها النُسّاكُ في الخَلَواتِ
وَأَنتَ وَلِيُّ العَفوِ فَاِمحُ بِناصِعٍ*** مِنَ الصَفحِ ما سَوَّدتُ مِن صَفَحاتي
وَمَن تَضحَكِ الدُنيا إِلَيهِ فَيَغتَرر***ِ يَمُت كَقَتيلِ الغيدِ بِالبَسَماتِ
وَرَكِبَ كَإِقبالِ الزَمانِ مُحَجَّلٍ*** كَريمِ الحَواشي كابِرِ الخُطُواتِ
يَسيرُ بِأَرضٍ أَخرَجَت خَيرَ أُمَّةٍ*** وَتَحتَ سَماءِ الوَحيِ وَالسُوَراتِ
يُفيضُ عَلَيها اليُمنَ في غَدَواتِهِ*** وَيُضفي عَلَيها الأَمنَ في الرَوَحاتِ
إِذا زُرتَ يا مَولايَ قَبرَ مُحَمَّدٍ*** وَقَبَّلتَ مَثوى الأَعظَمِ العَطِراتِ
وَفاضَت مَعَ الدَمعِ العُيونُ مَهابَةً*** لِأَحمَدَ بَينَ السِترِ وَالحُجُراتِ
وَأَشرَقَ نورٌ تَحتَ كُلِّ ثَنِيَّةٍ*** وَضاعَ أَريجٌ تَحتَ كُلِّ حَصاةِ
لِمُظهِرِ دينِ اللَهِ فَوقَ تَنوفَةٍ*** وَباني صُروحِ المَجدِ فَوقَ فَلاةِ
فَقُل لِرَسولِ اللَهِ يا خَيرَ مُرسَلٍ*** أَبُثُّكَ ما تَدري مِنَ الحَسَراتِ
شُعوبُكَ في شَرقِ البِلادِ وَغَربِها*** كَأَصحابِ كَهفٍ في عَميقِ سُباتِ
بِأَيمانِهِم نورانِ ذِكرٌ وَسُنَّةٌ*** فَما بالُهُم في حالِكِ الظُلُماتِ

فجمع الله تعالى للمؤمنين في الجمعة يشبه جمعه لهم في عرفة فما دام في عرفة غفران وتجلٍ من الرحمان وعبودية من الإنسان
،فإنه في الجمعة كذلك غفران من الرحمان، وعبودية من الإنسان.
ولذلك كانت تزكية للأنفس وقربى لله تعالى، ورفعة لمقامات البشر، وكأنما الله تعالى يحدد المقامات بالقدوم إلى صلاة الجمعة، وقد أشار كثير من علمائنا لمثل هذا، إذ قالوا بقدر تبكير المرء لصلاة الجمعة بقدر قربه ومنزلته من الله يوم القيامة.
إن أول جمعة عقدها النبي عليه الصلاة والسلام كانت يوم12 من ربيع الأول، وصلي الجمعة بالناس في بني عمر بن عوف قبل أن يدخل المدينة، وما صلاها في مكة.
والإمام الطبراني في معجمه نقلا عن أبي نعيم قال : “سَارِعُوا إِلَى الْجُمَعِ فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلَّ جُمُعَةٍ فِي كَثِيبٍ مِنْ كَافُورٍ أَبْيَضَ ، فَيَكُونُونَ فِي الْقُرْبِ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ تَسَارُعِهِمْ إِلَى الْجُمَعِ فِي الدُّنْيَا ”
وهذا من أعظم الحوافز.
وقد أورد بعض علمائنا أن سيدنا علقمة بن قيس قال كنت مع عبد الله بن مسعود يوم الجمعة فذهبت معه إلى المسجد فوجد سيدنا ابن مسعود رضي الله أن ثلاثة سبقوه فتأسف وتحسر وقال : “رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد ” إنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” يرتب الناس في مقامهم من الله عند بقدرتبكيرهم إلى الجمعة”.
الإمام بن العربي قال أن الإمام مالك أتبع ذكر الأوقات بوقت الجمعة، وقد بنى النتائج على المقدمات، فليس بالإمكان البدء بالحديث عن الجمعة قبل البدء بالظهر، فالجمعة تالية هنا بعد الأوقات الأخر، فوجود الحديث في هذا المكان وجود طبيعي منطقي.
وكان أبا عمر كان يقول بأن الإمام مالك ذكرَ هذا الحديث إنما ذكره ردا على من قال بأن الجمعة تؤدى قبل الزوال، إذ فيه رأي شهير يقال أن الجمعة تؤدى قبل زوال الظهر، ولا يمكن ذلك أن يكون معقولا ولا مؤدى، وقد استند من يقول بذلك على رواية وردت بأن سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر صليا الجمعة قبل زوال الشمس، ولعلهم يقصودن بذلك الضحى، وهذا غير صحيح
وهناك من يقول بذلك مستدلا على أنه ما دامت الجمعة عيدا فإنه يطرأ عليها ما يطرأ على العيد أي تصلى قبل الزوال.
وهناك نص ورد على أن عبد الله بن سلمة قال أن عبد الله ابن مسعود صلى بنا الجمعة ضحى، وهذا الحديث مردود بحديث يرويه ابا بكر ابن عياش يروي عن أبي إسحاق قال:”صليت خلف علي ابن أبي طالب ومن قبله من الصحابة فما كانوا يصلون الجمعة إلا بعد الزوال”.وهذا الحديث يقطع كلام من يقول بأن الجمعة يمكن أن تصلى قبل الزوال.
ويذكر الإمام ابن العربي في كتابة: “تحفة الأحوذي في شرح صحيح الترمذي “أن العلماء اتفقواعن بكرة أبيهم على أن الجمعة لا تجب على مسلم قبل زوال الشمس.
وكابن القاسم وهو مالكي من أشهر وأكبر تلامذة الإمام مالك يقول بأن وقت الجمعة وقت الظهر لا تجب إلا بعد الزوال، وتمتد إلى غروب الشمس إذا كان هناك عذر للتأخير.
وأول وقت الجمعة زوال الشمس وآخر وقتها هو آخر وقت الظهر-أي الاختياري- وهذا ما يقول به بعض المالكية كابن القاسم، ومطرف، وأشهب.
وهناك من قالوا بأن وقتها الاختياري يمتد إلى وقت العصر، وهذا قول ابن عبد الحكم وابن ماجيشون وغيرهما.مثل ما هو حادث في بعض المدن الصحرواوية كأدرار وعين صالح وغيرهما من مدن الجنوب الذين يؤخرونها إلى قبيل العصر.

الحديث(14):
وحَدَّثَنَي عن مَالِكٌ عَنْ عَمرو بن يحيى المازنيّ عن ابن ِ أَبِي سليط ٍ، أنَّ عثمان ابن عفان صلَّى الجمعة ً بالمدينةِ، وصلى العصر بملَلٍ. قَالَ مَالِكٌ. وذلك للتَّهجير وسرعةِ السَّير.
فنحن أمام باب وقت الجمعة
عقيل ابن أبي طالب أخو سيدنا علي وجعفر ابن أبي طالب وهو أسن منها (أكبر منهما سنا). والطنفسة هي سجادة طولها ذراع وعرضها ذراع .
هذا الصحابي كانت له طنفسة والطنفسة هي السجادة الصغيرة قيل ولا يكون خملها إلا رقيقا. كان سيدنا عقيل يضعها عند جدار المسجد الغربي، فهل هناك مسجد غربي؟؟
ليس الأمر كذلك إنما المقصود إلى الجدار الغربي للمسجد، ولا يقصد المسجد الغربي.ومثل هذا ما تقوله العرب في باب الجر بالمجاورة:”هذا جحر ضب خرب”، والمقصود هنا حجرٌ خربٌ لضبٍ.فكذلك الشأن هنا والمقصود إلى الجدار الغربي للمسجد.
وانحراف الشمس على الطنفسة وانحسار الظل عنها كأنه هو الذي يحدد وقت الصلاة كما هو مذكور في الحديث، إذ لما يصل الظل إلى أن يغطي الطنفسة يخرج سيدنا عمر فيصلي بالناس الجمعة، وكأن المسألة من وراء الحديث في هذه الجزئية هو تحديد وقت صلاة الجمعة .
ولعل سائل يسأل: هل الطنفسة داخل المسجد أم خارجه؟
اختلف العلماء في ذلك فقال البعض أنها داخل الجدار(المسجد) فإذا ما جاءت الشمس فإنها تصل إليها، ولذلك قالوا إذا كانت خارج الجدار فإن الظل ينحسر عنها. وهناك من قال بأنها خارج المسجد النبوي فإذا كانت كذلك فهذا يعني أن الظل يطيل الوصول إليها، ومن هنا إذا كان الأمر على هذه الشاكلة فقد أجاز من أجاز أن الجمعة تصلى قبل الزوال.ولم يكن هذا رأي جمهور العلماء إنما هو رأي شاذ.
والظاهر أن الطنفسة كانت توضع داخل المسجد النبوي عند الجدار الغربي، والظل لا ينحصر عنها وإنما عبر عنه بقوله غشي الطنفسة كلها أي غطاها، فكأن الظل يمتد إليها شيئا فشيئاً إلى أن يغطيها كلها حينها يخرج سيدنا عمر فيصلي بالناس الجمعة. وكأن الأمر يظهر منه أنه يؤخر صلاة الجمعة.
لأن امتداد الظل إلى الذراع يعني عدم وجود الزوال في بدايته والذي عبر عنه الفقهاء بقولهم: تزيغ الشمس، ليس عند زيغانها ولكن إلى أن يصير الظل ذراعا وهذا يعني انه استغرق زمانا ممّا يعني أنه أخر الجمعة قليلا.
وهناك لفتة مهمة وهي انتباهنا إلى أن سيدنا عقيل ترك الروضة الشرفية وذهب إلى الجدار الغربي ووضعها تحته كي لا يزاحم الناس وهذا من تأدبه رضي الله عنه.
أمر ثان هو أنه حين استماعه للخطبة يكون الظل حينها وصل الطنفسة ، فلا يكون في الشمس، وهذا أمر نتبين من خلاله أن المسلم مأمور على ألا يعرض نفسه للمهالك كأن يجلس في شمس محرقة أو غيرها.
يذكر الإمام الصنعاني صاحب “سبل السلام” في مسألة الإبراد بالصلاة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدّة الحرّ من فيح جهنم”.
والعلماء اختلفوا في ذلك، فالإمام أحمد يقول بتقديم الظهر ويراه أفضل، وهذا ما ورد في النص، إلا أن تأخير الظهر لشدة الحر أولى. وفي مدن جنوبنا الكبير بما فيها الأغواط كانوا يؤخرون صلاة الظهر والجمعة، بل هناك من المدن الصحراوية من بقوا على هذا العهد إلى يوم الناس هذا.
أما الشافعي فيرى أن ينظر إلى حال المصلين إن كانوا مرضى أو مسنين فإن كان ينفعهم أن يؤخر الظهر فليُفعل.
وهناك رأي آخر وهو في مذهب مالك يرى في تقدير المسافة بين بيوت الناس والمسجد فإذا كانت البيوت بعيدة فإن الأولى أن يؤخر الظهر والجمعة إلى أن يلطف الجو ويبرد.
وتباين العلماء حول لفظة “فيح جهنم” التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هل هي على حقيقتها أم على مجازها؟
الإمام النووي قال بأن بعض العلماء قد أخذوا المعنى على حقيقته وظاهره
لا على مجازه.
الإمام البيضاوي والزمخشري على المجاز، إذ قالوا بأن ما هو موجود في الطبيعة من حر لا يتصور أن يشاكل فيح جهنم، إنما التعبير هنا مجاز.
والإمام ابن عبد البر في هذا الحديث يرى بأن اللفظة مأخوذة على الحقيقة لا على المجاز لأن قدرة الله تعالى لا يعجزها شيء.
أمر آخر: يحتمل أن الحائط الغربي الذي كانت توضع الطنفسة عنده قد غيّر، فقد غيّر سيدنا عمر رضي الله عنه في المسجد، إذ سدّ بعض الأبواب للسكنات والحجرات التي كانت مفتوحة على المسجد وأبقى من الحجرات حجرة أمنا عائشة رضي الله عنها. فمن الطبيعي أن يكون المسجد زمن الإمام مالك على غير ما كان عليه زمن الفاروق عمر رضي الله عنه،
ولذلك يصعب علينا تصور الجدار الغربي، فقد يكون قصيرا، وقد لا يكون فيه رف كما قال الإمام ابن عبد البر في شرحه، والرف هو عبارة عن مظلة التي توضع على الجدار لتوجد الظل.
يورد سيدنا إياس بن أبي سلمة ابن الأوكع وهو من كبار الصحابة أن أباه الذي قد سبقه إلى الإسلام وهو من أهل الشجرة (الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة) حدثه أنهم كانوا يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به، وهذا يعني أنها كانت قصيرة.
ويحتمل أنهم كانوا ينصرفون والظل ممدودا بدليل أنه لو لم يكن ممدودا لما وصل إلى الطنفسة، إذ كيف يصل الظل إلى الطنفسة والحائط لا ظل له.
قوله في الحديث: “… فَإِذَا غَشِيَ الطِّنْفِسَةَ كُلَّهَا ظِلُّ الْجِدَارِ ، خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَصَلَّى الْجُمُعَةَ .” والمعنى هنا يتضمن الخطبة أيضا.
وبالنسبة للطنفسة فإنه يُكرهُ منها ما غلُظَ بحيث أن الرجل تغوص فيه فيكره لأنه يمنعك من أن تباشر الأرض، ولا ضير أن توضع طنفسة رقيقة تقيك الحصى أو الحر أو البرد. والأكثر كراهة من ذلك وضع الوسائد تحته أو أمامه أو بجانبه لأنه ينافي الخشوع.
قوله في الحديث: “… ثُمَّ نَرْجِعُ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، فَنقِيلُ قَائِلَةَ الضُّحَاءِ”.
الضَّحاءُ هو حرُّ الشمس.والضحى هو ارتفاع الشمس قيد رمح فما فوق.
وقد فرق عبد الملك القطان بين الضحى والضحاء، ومثله أبو علي القالي في رسالة له تسمى “الممدود والمقصور” يذكر تشابه الهوى والهواء، ومثلها الضحى والضحاء وغير ذلك مما يفرق بين الممدود والمقصور.
ويتفرد الإمام الطنطاوي بمعنى وهو أن الضحى يعني النهار كله لأن المولى لما أقسم بقوله:” والضحى والليل إذا سجى” فقد قابل الضحى بالليل وهنا الضحى يعنى هاهنا النهار الذي يقابل الليل.
أما الإمام الألوسي فقد ذكر لطيفة أخرى وهي أن الله تعالى أقسم لنبيه في هذه السورة بما يحب، وقُرّةُ نبيّنا صلى الله عليه وسلم الصلاة، فأقسم له بالضحى والليل وهما موضعا صلاة ليلة ونهارية، فرضية وسنية.
وندرك من هذا الحديث أن الصحابة كانوا يستدكون قيلولتهم .بل قد وجدنا الصحابة رضوان الله عليهم يستعينون بالقيلولة على قيام الليل.
لكن إذا كان يوم الجمعة فإنهم لا يقيلون إنما يصلون الجمعة أولا ثم يقيلون.
هناك سؤال طرح: هل الجمعة هي بديل عن الظهر أم أنها فريضة مستقلة بذاتها؟
الإمام أبو بكر بن العربي في ” القبس في شرح موطأ الإمام مالك بن أنس” قال الذي يصح أن الظهر أصل وأن الجمعة بدل عنه.
وفي المدونة جاء افتراض سؤال وهو: إذا صلى المرء الجمعة في يوم الخميس على اعتقاد منه أن اليوم يوم جمعة ثم استبان له الأمر، ومن غد جاءت الجمعة فهل يجوز له أن يبقي الجمعة في مكان الظهر، أم لا بد من إعادة الظهر، وهل يصح له إن صلى الظهر يوم الجمعة ولم يصل الجمعة هل يصح ظهره بديلا عن الجمعة أم لا؟
وفي ذلك أربعة آراء:
الرأي 1: يقول أنه يجزئ إن صلى الجمعة يوم الخميس بمجموعة قليلة معه إذ في مذهب الإمام أحمد تجوز الجمعة أن تصلى بالفردين والثلاثة وما فوق وهذا خلاف مذهب الإمام مالك الذي يراها لا تصح إلا باثني عشر نفرا.
ومن غدٍ لما تأتي الجمعة يصليها ولا يعيد الظهر.
الرأي 2: لا يجزئ إن صلى الجمعة مكان الظهر، لم تجزئه لأنه صلى مخالفا مكان ما ليس مكافئا له، فالجمعة ركعتين ومعها خطبة والظهر أربع ركعات فهو قد صلى ما ليس بمتكافئ.
الرأي 3: قال يجزئ فيهما جميعا، يعني إن صلى الجمعة يوم الخميس وصلى الظهر يوم الجمعة جاز له.
لكن ما عليه مذهب الإمام مالك أنه لا يجزئ فيهما جميعا.لأن صلاته للجمعة بيوم الخميس ركعتين والمفروض أن بالخميس ظهرا بأربع ركعات فهو قد أنقص ركعتين، وإن صلى الظهر يوم الجمعة فهوقد زاد ركعتين.فالصلاتان باطلتين.
ومن هنا كانت قاعدة فقهية تقول: إذا اختلفت النيتان بين الإمام والمأموم بطلت الصلاة ولا بد أن تكون نية الإمام والمأموم متفقتين.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله أجمعين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *