المجالس العلميةالمجلس الفقهي

شرح الموطأ|الدكتور مبروك زيد الخير|الدرس05: كتاب وقوت الصلاة -باب وقوت الصلاة (الجزء الثالث)

تحميل المحاضرة في ملف صوتي (MP3)

باسم الله ,الحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله ,وبعد :
ممّا جاء في هذا الدرس ابتداءً ,ما عودّنا به شيخنا الفاضل من توّجه إلى الله بدعاء ,وتمجيد على الله جلّت عظمته ثم حمده وشكره, وصلى وسلم على رسوله الكريم, على أن جمعنا في بيته, طلبا للعلم وزيادة للفهم. ثمّ قدّم درسه بمقدمة وجيزة لما أنهى به درسه السابق حيث أعاد على مسامعنا كيف أنّ الإمام مالك رحمه الله وقف اختياره على بداية مصنّفه ب :1-كتاب وقوت الصلاة 1-باب وقوت الصلاة لأنّ حلول وقوت الصلاة أصل في وجوب الصلاة , إذ هي عبادة مقدّرة بالأوقات لقوله تعالى:”إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا” أي فرضا موقتا فإذا دخل الوقت وجب الوضوء وغيره ,فلذا قدم الأوقات على غيرها .
وبعد هذه المقدمة المختصرة بدأ الشيخ شرحه للحديث الأول والذي رواه سيدّنا يحي بن يحي الليثي وذلك بعد قراءته مباشرة طبعا , وبعد الشرح أدركنا أنّه قد ورد فى نص هذا الحديث قصةً تأخير سيدّنا عمر بن عبد العزيز صلاة قيل هي صلاة العصر”قول للبخاري” , وزاد عنه قول “ابن عبد البر”في إمارته في المدينة أي زمن إمارة سيدّنا عمر بن عبد العزيز على المدينة ,وقيل أن سبب تأخيره كأنه كان مشغولا إذ ذاك بشيء من مصالح المسلمين , وقيل أيضا أنه أخرها حتى خرج الوقت المستحب لا أنه أخرها حتى غربت الشمس ,وعلى كل حال فإنّ ظاهر الحديث يدل على الإحتمال الأول ,وهو أنّه أخر صلاة العصر شيئا.
فحصل الإنكار أو معارضة من عروة رضي الله عنه ، فأعقبه عمر بن عبد العزيز بإنكار آخر ، ما وجه إنكار عمر بن عبد العزيز رحمه الله على عروة ؟
نقل لنا الشيخ قول بعض العلماء : إنه أنكر على عروة حتى يتثبت فيما يقول وينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو يريد منه أن يتثبت أكثر ، وإلا فمعلوم أن عروة رضي الله عنه لن يقدم مع جلالة قدره على التقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال أيضا قولا أخر لبعض العلماء : إن عمر بن عبد العزيز أنكر على عروة لأنه كان يرى المقام الأعظم للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يتقدم جبريل عليه السلام عليه فيكون إماما .
فقد عظم على عمر رحمه الله من أن يؤم جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل والعظمة .
وهذا القول هو أقرب ، لأن عمر بن عبد العزيز رحمه الله لما له من المقام الكبير لا يمكن أن يجهل أوقات الصلوات ، فهي واجبة وفرض في التعلم على من هو دونه ، فكيف به رحمه الله . ومع كل هذا يمكن أن نخلص إلى احتمالات كثيرة لتأويلات عديدة حول هذا الموقف المعارض لسيدنا عروة بن الزبير أمام سيدنا عمر بن عبد العزيز , كما أنّ شيخنا أكّد لنا على مكانة سيدّنا عمر بن عبد العزيز في العلم هي رفيعة ,و إنّ له قامة شامخة في الفقه ,حيث عدّ من كبار فقهاء المدينة ,وأحد المجتهدين فيها ,وكان ورعا,صدوقا,ثقة,ومن هذه الصفات قد يكون لهذا الأمر عنده لا بد له من تأصيل وتفريع أيضا.
ولقد عرفنا من شيخنا الفاضل أنّ وقت الصلاة قد حدد(بضم الحاء) توقيفيا عن طريق جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ,فليس هو من اختيار النبيّ صلى الله عليه وسلم وإنما من الله جلّ وعلا وهذا من جملة ما شرّع (بضم الشين)من طريق جبريل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ومما جاء ذكره في الدرس هو أنّ الصلاة فريضة تحتاج إلى وقت , فالوقت هو المحقق للعبادة وهو كالوعاء الذي يحوي العبادة مثل الصلاة وغيرها من العبادات (الصوم –الزكاة-الحج) فلا يستطيع المسلم أن يؤدي فريضة الصوم وجوبا في غير شهر الصيام ولا أن يحج في غير وقت الحج ولا أن يخرج الزكاة قبل دوران الحول على النصاب .
قد يسأل السائل عن حكم أداء الصلاة في وقتها فيقول :ما هو الوقت الواجب لأدائها؟ أجاب الشيخ عن هذا السؤال بـ:”إن الوقت يعتبر وجوبا في كل صلاة”قول المالكية , وقال الحنفية: ” إنما يؤخذ على أساس الواجب”,أما الشافعية فقالوا:”أول الوقت هو الواجب “.
باسم الله ,الحمدلله,والصلاة والسلام على رسول الله :
وبعد التمهيد القيم الذي قدمه الشيخ في خصوص كلامه عن وقت وجوب الصلاة عند بعض المذاهب ,بما في ذلك أصحاب المذهب المالكي, نقل إلينا كلام العلامة محمد وليد أحمد بن رشد أبو الوليد البربري”الحفيد”(520هـ-595هـ) الفقيه المالكي الأندلسي, اجتهاده بالقول انّه: “لا يمكن أن ينظر إلى الوقت وجوبا , وإنما المكلف هو الذي يحدد وقت صلاته” .ومثّل لذلك بالكفّارات ,فهو مطالب بإطعام المساكين, أو كسوتهم, أو تحرير رقبة,فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام , وإن هو أدى واحدة منها فقد أدى ما عليه من واجب بشرط أن يحدد مكانه وزمانه لأداء هذا الواجب ,والأمر كذلك للصلاة
ثم أعرب الشيخ عن ذكر ما ورد في الحديث الأول وما تضمّنه من موقف شعبة بن المغيرة لمّا أخر الصلاة عندما كان واليا على الكوفة ,فراجعه في ذلك بن مسعود الأنصاري ,فكأن سيدّنا عروة بن الزبير يريد أن يقول لسيدنا عمر بن عبد العزيز لست الأول في هذا التأخير يا عمر, فليس بالإمكان جهل عمر وعروة أنّ شعبة بن المغيرة رضي الله عنهم أجمعين ,هو من الصحابة الكبار فهو ممن أخذوا أمور دينهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إقتداءً والتزاما بما أمر به, ومّما لا يجهل أيضا أنّ سيدنا عمر بن عبد العزيز من أهل الاجتهاد , فله الحق في التأخير , ولكن مع وجود النص لا يمكن له ذلك.
وعلى ذكر سيدنا عمر بن عبد العزيز, عرض علينا شيخنا الفاضل مناقب الكثيرة,ومكانة هذا العالم الفذ , إذ عدّ فقيها من الطراز العالي ,مجتهد , وذا قريحة , يعرف اللغة ويوازن أشعار العرب , ويدرك الجيّد من دونها. حيث أتى شيخنا على سرد قصة جميلة وقعت لسيّدنا عمر لمّا ولي خلافة المسلمين , إذ وقف موقفا فريدا في زمانه لم يعهده الشعراء قبله .فكان موقفه واضحا تبيّن فيه مدى غيرته على دينه ونساء أمته , وزهده,وورعه ,فإنه ردّ كل شاعر أساء القول في شعره ,بل إنه ذكر موطن إساءة كل شاعر منهم ,مما يدل على سعة حفظه , وقوة ذاكرته .
وجاء في قصته باختصار شديد ,أنه لما أفضت إليه الخلافة وفدت إليه الشعراء كما كانت تفد على الخلفاء قبله , فأقاموا ببابه أياما لا يؤذن لهم بالدخول حتى قدم “عدي بن أرطأة”عليه وكان منه بمكانة , فتعرض له “جرير “الشاعر ,وطلب منه بأبيات شعرية أن يدخله على الخليفة فقد طال انتظاره , فدخل الرجل على الخليفة ونبهه من موقفه أمام الشعراء إذ هم ألسنتهم مسمومة , وسهامهم صائبة ,فقال عمر : مالي وللشعراء ؟فأشار له عدي بموقف النبيّ صلى الله عليه وسلم بعطائه لما مدح. فلان قلبه لهم وأراد أن يعرف من هم بالباب ؟ فذّكره بعدد منهم فرفضهم جميعا إلا جريرا , دخل عليه مدحه مدحا بقي فى التاريخ , مستحضرا في مدحه فضله وفضائله …. غير أنّ عطاء سيدّنا عمر كان يسيرا إذ عرض عليه تقسيم راتبه اليسير بينه وبين من هم تحت مسؤوليته ,فوقف جرير موقف عظيم يحسب له ,فقد رفض هذا العطاء عن طيب خاطر وقال إن الشرف قد نلته في مقابلتك يا أمير المؤمنين فهذا يكفيني.
وبعد هذه الفسحة الأدبية عاد بنا الشيخ إلي جوهر الدرس من جديد وكعادته يعتمد شيخنا على التفصيل والتركيز على جزئيات النصوص الشرعية والتي بها نصل إلى فهم الموضوع فذّكرنا بتاريخ وجوب الصلاة ,عددها ,وفضلها ,ومن الذي علّم كيفية الصلاة للنبيّ صلى الله عليه وسلم, مع معرفة أوقات أدائها المختارة منها والضرورية.
وبما أنّ الصلاة هي عبادة وقربى وهي شعيرة قديمة حيث ذكرت في القران عدة مرات وذكرها الله على أّنّ إسماعيل عليه السلام كان يأمر أهله بها قال تعالى (…وكان يأمر أهله بالصلاة…) وكذالك الحال بالنسبة لسيدنا عيسى بن مريم عليه السلام , قال تعالي علي لسان عيسي عليه السلام (…وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا..) ومن هنا نأتي على اعتبار فرض الصلاة بهيئتها المعروفة وعددها وأوقاتها اليوميَّة المعروفة على المسلمين في رحلة المعراج والتي كانت ب ثمانية عشر شهرا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلي المدينة ومن هنا نقول أيضا أنّ فرضيتها كانت في السماء موقعا ومكة مكان بداية تأديتها وعلى هذا الأساس كانت الصلاة دليلاً على كونها صلة بين العبد وربه، وهي معراجه الذي يعرج عليه إلى الله تعالى بروحه، وأنها الوقت الذي يناجي العبد فيه ربه، ويبث إليه ما يرنو إليه. فالصلاة إذن عماد الدين؛ من تركها وأهملها فكأنه هدم دينه وأضاعه.
ومن فضائلها أنها تؤدى واحدة ويؤجر عليها بالعطاء المضاعف , كما أن شيخنا ذكر لنا عدة أحاديث مرغبة في الحفاظ عليها لما فيها من فضل وفضائل لذالك معرفة كل ما يختص بها من شروط وأركان تكون عند المؤمن محطة حرص وإدراك الصواب في تأديتها كما أداها النبي صلى الله عليه وسلم. ولنا في نص الحديث الأول خير دليل لمواقف التابعي عروة بن زبير, واحد كبار التابعين عمر بن عبد العزيز ,والصحابي الجليل قبلهم شعبة بن مغيرة رضي الله عنهم جميعا كيف اجتهدوا جميعا في معرفة أفضل الأوقات في تأديتها اعتمادا علي إمامة جبريل عليه السلام بالنبيّ صلي الله عليه وسلم فالفاء في الحديث (فصلى…..فصلى…) تفيد التعقيب حيث أن جبريل صلى بالنبي الظهر وهي أول فرض من الصلاة فصلاة الظهر كانت أول صلاة فرضت، ثم فرضت بعدها العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، ثم الصبح.. على الترتيب.فالفاء ذ كرت في الحديث لتحدد الزمن الذي أقيمت الصلاة و”ثّم ” جاءت في الحديث نفسه بهدف ترتيب الصلوات .
إذا ما نخلص إليه في أخر المطاف من فهم لهذا الحديث والذي بعده والذي هو لسيدّنا عروة أيضا هو تأكيد عدالة سيدّتنا عائشة رضي الله عنها ,كونها خالته وهو أحسن من نقل عنها كأنه يريد أن يقول هذا الحديث (الثانى)هو يدّعم موقفه فى الحديث الذي سبقه غير أنه يتكلم في هذا الحديث عن صلاة العصر والحجرة التي ذكرت هي مسكن النبي صلى الله عليه وسلم والمكان الذي دفن فيه أيضا .ومسألة الخلاف بين سيدّنا عروة وسيدّنا عمر هي في الوقت الأول للصلاة . وأما الحديث الثالث الذي جاء فى المصنف فهو يشمل على فوائد قد تستنبط منه فعلى سبيل المثال ذاك الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن وقت صلاة الصبح ؟فسكت عنه النبي صلي الله عليه وسلم ,وكأنه يريد أن يحقق لنا منهجا علميا للإجابة .حيث انه أجل الإجابة لوقت مناسب وهو وقت صلاة الصبح الفعلي وتم حصر هذا الأداء بين وقتين فكان جوابه عمليا وهذا يكون أفضل له وانفع .
وفي الختام نترك أثرا مفيدا لإخوتنا الطلبة الكرام وهو ما يجب معرفته من فقه لهذه الأحاديث المشروحة إن الصلاة المكتوبة لها أوقاتها وهي على قسمين : أولا :الاختياري:وهو الوقت الذي يطالب فيه أداء الصلاة لكل أحد.
ثانيا:الضروري:يأثم من أدي الصلاة فيه إلا لأصحاب الضرورات الشرعية , وهو يأتي عقب الاختياري.
اللهم علمنا وانفعنا بما علمتنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *