المجالس العلميةالمجلس الفقهي

شرح الموطأ|الدكتور مبروك زيد الخير|الدرس08: كتاب وقوت الصلاة – باب وقوت الصلاة (الجزء السادس)

تحميل المحاضرة في ملف صوتي (MP3)

باسم الله , والحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله ,وبعد:
إن من نافلة الكلام الذي يختاره شيخنا دائما في البداية بل من بداية كل مجلس,هو ذلك الاستحباب الذي جعله أمرا مقصودا ومباركا في المجالس عموما وفي مجلسه خصوصا . حيث لا يتم ما يقوم من إلقاء إلاّ بالإتيان به , إنه دعاؤه المألوف الذي يجذب السامع له ويجعله يُؤمّن بصدق وإخلاص حتى يتحقق المرغوب منه , وهو بذلك يحيي فينا سنّة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم , من استفتاح بحمد الله والصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم ,فجزاه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء.
كانت الانطلاقة في الدرس هي الوقوف عند ملاحظة أراد أن يستدركها الشيخ في لقب ” الأعرج” والذي اشترك فيه ثلاثة أشخاص يجب التفريق بينهم, ولقد استوفي الشيخ في التفريق بينهم ,وعّرفهم وجاء بترجمة مختصرة عنهم .وقد قمنا بفعل ذلك في التلخيص السابق .وبعد هذا الاستدراك ولج الشيخ في درسه , والذي قدم فيه شرحا للحديث السادس الذي رواه لنا سيّدنا نافع مولي عبدا لله بن عمر بن الخطاب حيث كتب والده إلى عماله: “إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه. ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع،…..”ويجمع هذا الحديث من المواضيع الفقهية والمسائل الهامة ما يلي :1-فضل الصلاة 2-إخراج الصلاة عن الوقت 3-أول وقت الظهر 4-آخر وقت الظهر 5-وقت العصر 6-أول وقت المغرب 7-أول وقت العشاء 8-النوم قبل العشاء 9-تعجيل الفجر 10-واجبات الإمام .
قبل التفصيل يحسن بنا المقال أن نذكر بعض الشيء عن سيّدنا عمر بن الخطاب .ومما لا شك فيه اغلب المسلمين يعرفون خصاله ومناقبه من صدق وإخلاص وعدل ….الخ ,وإليكم ترجمة مختصرة لسيدنا عمر بن الخطاب هو الخليفة الراشد صاحب رسول الله وأحد العشرة المبشرة بالجنة عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قُرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي. كناه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا حفص وذلك يوم بدر، وسماه أيضًا الفاروق.كان إسلامه بعد خروج من خرج من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل إسلامه: ” اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب ” قال: “وكان أحبهما إليه عمر”، أما قصة إسلامه فقصة طويلة مشهورة وكان ابن الست وعشرين سنة يوم أن أسلم .هاجر رضي الله عنه جهرة أمام قريش وقد تقلد سيفه وتنكب قوسه بعد أن طاف بالبيت سبعًا وصلى عند المقام، وقد شهد بدرًا والمشاهد كلها.تولى الخلافة ليلة وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعهد منه وبايعه على ذلك عثمان وعلي رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة، وكانت مدة ولايته عشر سنين وخمسة أشهر، وقتل مطعونًا على يد أبي لؤلؤة يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة من سنة ثلاث وعشرين من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم(ت 23 هـ ) وهو ابن ثلاث وستين سنة ودفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر في حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها.أما الأحاديث الواردة في فضله فكثيرة منها ما رواه الترمذي وأحمد وصححه ابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الله عز وجل جعل الحق على قلب عمر ولسانه “، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ” أرحم أمتي أبو بكر وأشدها في دين الله عمر ” رواه أحمد وغيره، ومناقبه وفضائله كثيرة جدًّا مدونة في كتب العلماء.رزق من الأبناء 13.
ونعود إلي حديثنا بالملاحظة الهامة التي ذكرها الشيخ في هذا الحديث وهي : أن سكوت الصحابة على أمر أو حكم قد يخالفون فيه الخليفة عمر ,قد يكون لديهم أثر مخالف في ظاهر الأمر عن رسول الله لما اجتهد فيه سيدنا عمر او يعرفون عن هذا الأمر دليل أقوي في أصل المخالفة, يعد إجماعا عند أهل العلم .ودليلهم في ذلك قول رسول الله صلى اله عليه وسلم في اجتهاد الخلفاء من بعده , حيث يعدّ سنة كما ورد في النص الشريف من قو له صلى الله عليه وسلم “… ، فعليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة ” . هذا من جهة ومن جهة أخرى هو كون ما أقره وسنّه سيّدنا عمر من السنّن والأحكام الفقهية تعد إتباع .إتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم .
وما ما يفهم من هذا الحديث هو كونه عبارة عن كتاب او رسالة فمن من هو كاتبها ومرسلها؟ وإلى من أرسلت؟ وما هو موضوعها؟ اجاب الشيخ عن هذه الأسئلة بــــــ: إن كاتب هذه الرسالة ومرسلها هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد كتبها وهو خليفة المسلمين وأمير المؤمنين، وأرسلها إلى عمّاله وولاته الذين كانوا يتولون أمور المسلمين نيابة عنه في البلدان البعيدة منه، أرسلها إليهم بصفتهم رؤساء المسلمين، وخاطبهم بها مخاطبة الرئيس ليعمل بها المرؤوسون. والناس من طبيعتهم يقتدون بكبرائهم ورؤسائهم. لأن الرؤساء في المجتمع كالقلب في الجسد، فإذا صلح القلب صلح الجسد كله، وإذا فسد القلب فسد الجسد كله. من أجل هذا كتب عمر رسالته هذه إلى جميع المسلمين وخص بالذكر عماله فيها ليكونوا قدوة للناس وأئمة لهم. ولكن بماذا يصلح الرئيس والمرؤوس؟ إنه في الإيمان بالله ورسوله، إنه في إقامة فرائض الله وواجباته. هذا هو أساس الصلاح والإصلاح. كما أنّ إقامة فرائض الله والمحافظة عليها هي أوثق رباط يربط بين القلوب والأرواح، ولو اختلفت الأقطار والأشباح،ولذلك كان في قوله “إن أهم أمركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها”، ومعنى حفظها أي أتقنها، وجاء بها على مراد الله -عز وجل- على ما بينه رسوله -عليه الصلاة والسلام- حافظ عليها، سارع إلى فعلها في وقتها، “حفظ دينه”، وجاء في الحديث أن المقياس الصلاة في الحساب، فإذا قبلت صلاته قبل سائر عمله، و إذا ردت رد سائر عمله، “فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، وآخر ما تفقدون من دينكم….. ما أعظمها من كلمة وما أشرفها من طريق وما أنجحها من وسيلة تتحقق بها كل مقومات الحياة، ويتحقق معها كل وسائل الأمن والاستقرار في المجتمع المسلم، وما أقواه من سلاح يحقق النصر على جميع أنواع الأعداء، سواء كان عدواً داخل الأمة أم خارجها.الصلاة هي وسيلة اتصال يتصل به العبد مباشرة بمالك الملوك ورب السموات والأرض يقول فيه سبحانه: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل. يبدأ هذا الاتصال بقوله: الله أكبر.حينما ينطق بها المؤمن وهو متطهر متجه إلى القبلة يتصل مباشرة مع الله تعالى ويبدأ في مناجاته لله، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال العبد: الرحمن الرحيم قال الله: أثنى علي عبدي. وإذا قال العبد: مالك يوم الدين قال الله: مجدني عبدي. وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. وإذا قال بعد: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل. هذا ما ذكّرنا به شيخنا في فضل الصلاة بل في فضل المحافظة عليها وكيف تحفظ له دينه ودنياه ,من الميل والانحراف .
إن المحافظة على الصلاة واجب من ناحيتين: بإتقان الطهارة الواجبة لها، وهي طهارة الثوب والبدن والمكان. وبأدائها في الأوقات المحددة لها. وبإتقان ركوعها وسجودها وقراءتها وغير ذلك.وهذا هو الشرط الأول في المحافظة على الصلاة. فالصلاة المفروضة على كل مسلم ومسلمة قد بين الرسول كيفيتها. ووقت أدائها وطهارتها فإذا نقص من ذلك شيء كانت صلاة غير صحيحة ومردودة على صاحبها. إذن فإذا أراد الإنسان أن يصلي الصلاة المفروضة عليه فلابد أن نعرف كيف يصلي ومتى يصلي؟ حتى يكون على بينة من أمر دينه. ولذلك ذكر عمر هذا الجانب الأساسي أولاً في المحافظة على الصلاة وبين أوقاتها المحددة التي أداها فيها رسول الله فقال: ((صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعاً)) يعني إذا صار طول ظل أحدكم ذراعاً بعد زوال الشمس، فذاك هو بداية وقت الظهر ويمتد هذا الوقت إلى أن يصير ظل كل شيء مثله. ومن هنا يبتدئ وقت صلاة العصر إلى أن يبقى لغروب الشمس وقت يمكن أن يقطع فيه الراكب فرسخين أو ثلاثة. وذلك قبل أن يدخل الشمس اصفرار ثم بين وقت المغرب وهو من غروب الشمس. ويمتد إلى مغيب الشفق الأحمر. ومن مغيب الشفق الأحمر يبتدئ وقت صلاة العشاء إلى الثلث من الليل,
ثم يدعو عمر على من أخَّر الصلاة عن هذه الأوقات تهاوناً أو تكاسلاً أو اعتذاراً بمشاغل الدنيا فإنه يدعو عليه بأن لا يجعل الله له راحة في نومه. وهو دعاء نافذ ولابد أن يلحق بالمتهاونين في أداء الصلاة، إما في نوم الدنيا وإما في نوم القبر في الآخرة. ثم بين ابتداء وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر الصادق مع ظهور النجوم وينتهي بطلوع الشمس.
ثم إنه بين هذا الوقت لجميع طبقات الناس لا فرق بين التاجر والفلاح والصانع والوالي والجندي والطالب، فهو يذكر أداء الصلاة في هذا الوقت الذي حدده وبينه كما رآه مع رسول الله لجميع طبقات الناس. ولا عذر للتاجر بتجارته ولا للصانع بصناعته ولا للفلاح بفلاحته ولا للموظف في إدارته ولا للعامل في عمالته ولا للقاضي في محكمته. وبهذا يقطع كل الأعذار التي ربما يعتذر بها بعض المتكاسلين.
ثم إن هذا إشارة من عمر إلى أن يعلن الحرب على كل من ترك الصلاة أو أخرها عن وقتها المحدد هذه ناحية أولى من المحافظة على الصلاة.
ثم من ناحية ثانية: بين عمر أنه لا يكفي من الصلاة أن يتقن المسلم طهارتها ووقتها وعدد ركعاتها، ولكن لابد من المحافظة عليها من ناحية أخرى حتى تكون صلاة مقبولة عند الله، وتربية لنفس المصلي مع الوقوف عند حدود الله في جميع أوامره ونواهيه، فهو يقول : (فمن حفظها وحافظ عليها) فالصلاة طهارة معنوية طهارة من الشرك طهارة من الزور طهارة من الظلم طهارة من الخيانة طهارة من اقتراف الكبائر التي حرمها الله كالخمر والزنا والقول الفاحش والرشوة والسرقة ونقص الكيل والوزن، فمن ابتعد عن هذه المنكرات وتطهر من رجسها وحافظ على أداء الصلاة بشروطها وواجباتها التي ذكرناها فهو الذي يكون كما قال عمر : (حفظ دينه) لأنّ الصلاة عماد الدين.وليست الصلاة هي الدين كله فالدين هو كل ما أمر الله به أو نهى عنه، أما من كان يصلي سوءا كان فرداً أو جماعة وهو يرتكب هذه المنكرات أو بعضها فيكون قد ضيع الصلاة. وكما أن المحافظة على الصلاة مبني على وجهين فكذلك ضياعها يترتب عليه الخسران من وجهين: فالإنسان إما أن يصلي ولا يلتزم بالحدود الأخرى التي أمر الله بها فيكون قد ضيع صلاته حيث يحرم من أجرها وثوابها قال : ((أتدرون من المفلس قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)). وأما أن يترك الصلاة بالكل فيضيع كل الحقوق الأخرى، لأن تارك الصلاة لا يسلم من ارتكاب المحرمات، وأكبرها ترك الصلاة، وحتى إذا كان يقوم بجميع الواجبات والمسؤوليات وهو تارك للصلاة فلا ينتفع بأعماله الصالحة لأنه لا يثاب عليها من الله والرسول يقول: ((أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة صلاته فإن صلحت فقد أفلح وانجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضة شيء، قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمّل بها ما انقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك)) وهذا معنى قول عمر : (فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع).

اللهم علمنا وانفعنا بما علمتنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *