المجالس العلميةالمجلس الفقهي

شرح الموطأ|الدكتور مبروك زيد الخير|الدرس09: كتاب وقوت الصلاة – باب وقوت الصلاة (الجزء السابع)

تحميل المحاضرة في ملف صوتي (MP3)

باسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
بعد الافتتاح يستكمل الشيخ ما كان وتبقى في الدرس السابق. و في هذا الدرس ومع الحديث السابع، ثم يستهل الشيخ حديثة بالاستماع مع الحاضرين إلى الحديث السابع الذي نصه:( و حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى أَنْ صَلِّ الظُّهْرَ إِذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا صُفْرَةٌ وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَأَخِّرْ الْعِشَاءَ مَا لَمْ تَنَمْ وَصَلِّ الصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ وَاقْرَأْ فِيهَا بِسُورَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ مِنْ الْمُفَصَّلِ.).

وهو نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي عم إمامنا مالك صاحب “الموطأ” قد ذكرنا نسبه في ذكر نسب مالك في صدر هذا الكتاب ، وهو من ثقات أهل المدينة ، وروى عن أبيه مالك بن أبي عامر ، والقاسم بن محمد ، وعلي بن حسين ، ويقال : إنه رأى ابن عمر ، وأنس بن مالك ، وسهل بن سعد ، وروى عنهم . روى عنه من أهل المدينة جماعة ، منهم : الإمام مالك ، ويحيى بن سعيد ، وعاصم بن عبد العزيز الأشجعي ، وإسماعيل بن جعفر ، وأخوه محمد بن جعفر ، وعبد العزيز بن أبي حازم ، والدراوردي ، وقد روى عنه الزهري أيضا ، وهذا غاية في جلالته وفضله، وكان الإمام أحمد يوثقه أي من الثقات.
وكان الحديث أي حديث سيدنا عمر رضي الله عنه موجه إلى سيدنا ابي موسى الأشعري, أبو موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس بن سليم . سمع منه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن وتأثر بقراءته فكان يقول له “لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود” فقال له أبو موسى الأشعري فَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ بِمَكَانِكَ، لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيْراً.
وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمُعَاذاً عَلَى زَبِيْدٍ، وَعَدَنَ،وَجَاهَدَ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَحَمَلَ عَنْهُ عِلْماً كَثِيْراً.
.
يعلق الشيخ مبتدئا أن ظاهر هذا الحديث مخالف للحديث السابق في “الموطأ” لكنه يتكامل معه فمن احتمالات فهم الحديث الواردة أن يكون سيدنا عمر قد كتب لعماله في الحديث السابق، أما في هذا الحديث فإنه كتب لأبي موسى ذاته فلم يأمره بذلك كإمام أو والٍ للمؤمنين، ولكنه أمره بأن يصلي الصلاة حينما تزيغ الشمس وهو فرد لا وهو إمام.
ويحتمل أنه يريد صلاة الجمعة أي أنه يخفف بالناس في الجمعة ولا يضيع لهم الوقت.
وقوله زاغت الشمس أي مالت إذ الزيغان هو الميلان وتصح صلاة الظهر إذا مالت الشمس أي ألا تكون عمودية .وصل العصر والشمس بيضاء نقية قبلان تدخلها صفرة ،وهذا وقتها، أما وقتها الاختياري فتمتد فيه إلى المغرب.
قال الإمام ابن حبيب يحتمل أن يكون هذا لأبي موسى الأشعري(وَأَخِّرْ الْعِشَاءَ مَا لَمْ تَنَمْ) ثم قال له:” وَصَلِّ الصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ وَاقْرَأْ فِيهَا بِسُورَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ مِنْ الْمُفَصَّلِ”. ولم يذكر فيها الفاتحة لأن الفاتحة أمر محسوم ومن دونها تبطل الصلاة بل هي جوهر الصلاة.
والمفصل من السور ما كان من سورة الحجرات إلى سورة الناس، وطوال المفصل هو من سورة الحجرات إلى سورة عبس أما قصاره فمن سورة البيّنة إلى الناس.
كما قد يعني المفصل أن أحكامه ثابتة أو لأن البسلمة تفصل بين السورة وأختها وسرعان ما تظهر. ومن السنة أن يُطوَّل في الصبح والظهر و قد كان صلى الله عليه وسلم يقرأ ما بين 60و100آية ، وكان يقرأ في الركعتين الأوليتين حوالي 30آية .وحين نرجع إلى صحيح مسلم فإننا نجد أن الذاهب يذهب للبقيع ثم يتوضأ ويرجع ويدخل الصف في المسجد والركعة لم تفته مما يعني طول القراءة هاهنا.ولا يعني هذا وجوب ذلك فيجوز التخفيف في ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم “إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه ”
واما العصر والمغرب فقد كان لا يزيد عن15 آية صلى الله عليه وسلم.
بعد الانتهاء من درسه أجاب على ما كان من أسئلة الحاضرين ومنها:
سؤال: ما الفرق بين الإبكار و العشي في القرآن الكريم؟
وردت هذه الكلمة المراد بها آخر النهار في مقابلة أوله تسع مرات، أربعا منها قوبلت بـ (الإبكار) وذلك في قوله سبحانه: (واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار .. آل عمران/41)، وقوله: )فأوحى إليهم أن سبحوه بكرة وعشياً .. مريم /11)، وقوله: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً.. مريم /62)، وقوله: (واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار.. غافر/55) .. وثلاثا قوبلت فيها بلفظة (الغدو)، وهي قوله: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي .. الأنعام/52)، وقوله: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي .. الكهف/28)، وقوله: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً .. غافر/46) .. كما قوبلت مرة بـ (الإشراق)، وذلك في قوله: (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق .. ص/18) وأخرى بالإظهار، وذلك في قوله: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون .. الروم/17،18)، وقدمت كلمة (العشيّ) في هذه المرات التسع أربع مرات، وتأخرت عن أضدادها في الخمس المتبقية.
ويذكر ابن منظور صاحب معجم لسان العرب أن العشي يقع بعد الزوال، فإذا زالت الشمس فتحول الظلّ شرقياً وتحولت الشمس غربية دعي ذلك الوقت العشي،أما إذا غربت الشمس انتقلنا إلى العشاء.
والعشي في أصله من العشا وهو سوء البصر بالليل والنهار من غير عمى،و العرب تقول في أمثالها: (هو يخبط خبْط عشواء)، يُضرب مثلاً للسادر الذي يركب رأسه، ولا يهتم لعاقبته، كالناقة العشواء التي لا تبصر فهي تخبط بيديها كلّ ما مرت به.
وشبه زهير في قوله:رأيت المنايا خبْط عشواء من تُصبْ تُمِتْه ومن تخطىء يُعَمِّر فيهرِم.
فاللفظة على ما هو متضح تدور حول ضعف الرؤية وقِصر النظر في البصر أو في البصيرة، ومن ثمّ أطلقت على ما يتحقق فيه ذلك في الحال أو الزمان.
أما وجه التخصيص في الإبكار والعشي لكونه هذا الظرف مشهود تحضره الملائكة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوافيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون ، وأتيناهم وهم يصلون”. رواه البخاري ومسلم ”
كما قد خصا بشرف العبادة فعن أبي موسى رَضيَ اللَّهُ عَنهُ أن رَسُول اللَّهِ قال: (من صلى البردين دخل الجنة) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
والبردان هما: الصبح والعصر.
كما أنهما شهود أكبر آية من آيات الله عزوجل الكونية وفيها صورة لانتقال من حال إلى حال ( من العدم إلى الوجود والعكس(من العتمة إلى النور ومن النور إلى العتمة)) وفي هذا تنبيه وتذكير ولفت انتباه الانسان أن الحال يتغير والزمان يتحول ويتآكل.
اللهم علمنا وانفعنا بما علمتنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *