المجالس العلميةالمجلس الفقهي

شرح الموطأ|الدكتور مبروك زيد الخير|الدرس11: كتاب وقوت الصلاة – باب وقت الجمعة

تحميل المحاضرة في ملف صوتي (MP3)

بعد الاستفتاح في هذا المجلس بالثناء على المولى تبارك وتعالى والصلاة والتسليم على نبيه الأكرم يواصل الشيخ درسه وفيه قال:
وقد أوقفنا الكلام عند قضية تطويل وتقصير القراءة في الصلاة
فالناظم الفقيه يقول:
تطويله صبحا وظهرا سورتين*** توسط العشاء وقصر الباقيين
فالقاعدة أن يطول الصبح والظهر في القراءة، وأن يقصر في قراءة العصر والمغرب، وأن يتوسط في العشاء.
وربما تساءل طالب العلم:لماذا هذا الفارق بين الطول والقصر؟ ولماذا لم تحدد القراءة بعدد محدود من الآيات لا يتجاوزها القارئ؟
– يمكن أن يفهم على أن المسألة توقيفية، وربما يكون الأمر لاختلاف قدرات البشر فمنهم من يقدرعلى التطويل، ومنهم على عكس ذلك فجعل الله ذلك في دائرة الاختيار بين عباده كل على حسب سعته.
ولربما كان التطويل في صلاة الصبح والظهر لما كان من تفرغ الإنسان في العادة والغالب.
وربما روعي في ذلك هدوء البال والحال فيكون ذلك سببا في تدبره وفهمه لما يقرأ.
وقد أشرنا مرة إلى أن توسط القراءة في العشاء كان مأمورا به أن يكون من المفصل (من سورة الحجرات إلى آخر المصحف )
لكنه إذا ما أريد التوسط كان التوسط من المفصل وليس طول المفصل فطوال المفصل في الطويل من القراءة، ومتوسط المفصل في المتوسط من القراءة،وقصار المفصل في القصير من القراءة. وهذا ما هو عليه فقهاء المالكية.
وقد ورد في الصحيح عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة(أي العشاء) فقرأ سورة “إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ” لكنني سافرت معه وقرأ في صلاة العشاء “والتين والزيتون”.فإذا كان مقيما يطول وإذا كان مسافرا خفف القراءة.
ولعنا نلاحظ أن السنة أن تكون الركعة الأولى اطول من الثانية.
وهذا الذي هو عليه حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال:”كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا؛ فيقرأ في الظهر والعصر -في الركعتين الأوليين- بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحياناً ويطول الركعة الأولى، ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب”
وكان يطول الركعة الأولى في الظهر والعصر ويقصر في الثانية، وربما كانت مسألة التخفيف هي أساس ذلك.فقد روي أن أهل الكوفة شكو سيدنا سعد ابن الوقاص إلى سيدنا عمر فقالوا أنه لا يحسن الصلاة فاستدعاه سيدنا عمر وسأله عن ذلك فقال سيدنا سعد أنا ما صليت بهم إلا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا صليت العشاء فإني أركد في الأوليين وأخفف في الأخريين .
فقال هذا هو العهد بك يا أبا إسحاق.
وقد أرسل سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وافدا إلى أهل الكوفة يسألهم عن حال سعدٍ معهم، فجعل لا يسأل أهل مسجد إلا أثنوا خيرًا حتى مرَّ بمسجدٍ لبني عَبْس، فقام رجلٌ منهم يُقال له: أسامة بن قتادة فقال أما وقد سألتنا عن سعد، فأنا أجيبك: بأنَّ سعدًا لا يُحسن الصلاة، وأنه لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسويَّة، ولا يعدل بالقضيَّة.
فقال سعد:اللهم إن كان عبدك هذا قام مقام رياء وسمعة فأطل عمره وأدم فقره وأعم بصره وعرضه للفتن،وفعلاً عاش الرجل حتى بلغ من الكِبَر عتيًّا، وسقط حاجباه على عينيه، وكان يقف في الطريق ويمدُّ يده للسؤال يطلب من الناس إحسانًا، و كان يقف في الطريق فيغمز الجواري ويقول: شيخ مفتون أصابته دعوة سعد.
إن ما تقدم في الحديث الذي ذُكر أو في غيره في الموطأ مما يتعلق باستحباب التطويل في القراءة فإن ذلك للمنفرد، أما الجماعة فإن الفقهاء يجمعون على أن الإمام يجب أن يخفف وألا يطيل إلا إذا علم أن الجماعة يحبون أن يطيل بهم وأنهم قادرون على الصلاة معه من دون أن يعارضه أحد أو أن يكون عجز أو ضعف في القوم يمنعهم من الصلاة معه.
ولقد ذكر ابن حبيب أن التخفيف مستحب لحديث إبن مسعود – رضي الله عنه- قال: قال رجل: يا رسول الله إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان فيها، فغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضباً منه يومئذ، ثم قال: (يا أيها الناس إن منكم منفرين فمن أم الناس فليتجوز، فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة
وقد قال مرةصلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ:” أفتّان أنت يامعاذ؟”
وفي رواية: “فلولا صلَّيتَ بـ {سبح اسم ربك الأعلى} ، {والشمس وضحاها} {والليل إذا يغشى} فإنه يصلِّى وراءك الكبير والضعيف وذوُ الحاجة”.
وعن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ( إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإنه منهم الضعيف والسقيم والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء).رواه البخاري
الحديث الثامن:
***وحدثني عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري أن صل العصر والشمس بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب ثلاثة فراسخ وأن صل العشاء ما بينك وبين ثلث الليل فإن أخرت فإلى شطر الليل ولا تكن من الغافلين”.
الراوي هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام. أخذ عن أبيه وعن عمه عبد الله ابن الزبير. وعنه أخذ الإمام مالك والإمام أبو حنيفة، وشعبة وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري، وقيل أنه رُوي عنه400 حديث، وقال ابن سعد في طبقاته أنه ثقة ثبتاكثير الرواية. توفي عام 145هـ
** ومما يستفاد من معنى في هذا الحديث على أن من صلى العصر والشمس نقية لم تدخلها صفرة فقد صلاها في وقت الاختيار فإذا بدأ اصفرارها انتهى وقت الاختيار ودخل في الوقت الضروري.
قال الإمام الثوري إن صلاها ولم تتغير الشمس فقد أجزأه، وأحب إلي أن يصليها إذا كان ظله مثله وهو القامة إلى القامتين وما بعد القامتين دخل في الوقت الضروري.
وكان الشافعي يقول بأن من أخرها عن المثلين فقد فاته وقت الاختيار وهو يلتقي هنا بمذهب مالك في ذلك.
وقد رُوي في مذهب الأمام مالك عن الإمام ابن وهب أن آخر وقت الظهر والعصرغروب الشمس (وهو وقت ضروري بالتأكيد).وهو جواز محمول على أصحاب الضرورات.
في رواية للإمام شعبة أن وقت الظهر ما لم تحضر العصر،ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق أو فورالشفق، ووقت العشاء مالم ينتصف الليل، ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس.
وهذا يفيد بأن الوقت متسع يجد فيه وقتا اختياريا موسعا ومحدودا في نفس الوقت.وهذا من سعة الدين.
ومما يلاحظ في الحديث أن الكلام كان فيه عن العصر والعشاء، وقد قال العلماء أن مثل هذه الأوقات كثيرا ما يغفل عنهما فالعصر يغفل عنه بانشغال والعشاء بنوم.
وقد احتجوا لتأخير العشاء أنه حينما يكون هناك مفاضلة بين آداء الفريضة وبين بعض مرغوبات مشتهيات النفس قدمت رغبات النفس عن الفريضة.
وقد ورد نص للنبي صلى الله عليه وسلم :”إذا حضر العشاء والعِشاء فابدأوا بالعشاء”
قال الإمام الترمذي لأن الله يريد أن يفرغك من مرغوبات دنياك، وأن يحقق لك أُنْسا به،حتى لا تشتغل بسواه.
فإذا كان الإنسان جائعا وحضر الطعام في وقت الصلاة فإنه يُقدم الطعام عن الصلاة. لقول النبي – صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان”
…وقد وجدنا أن صلاة المغرب في فقهنا يقدم وقتها ولا يؤخر البتة إلا في حالات خاصة وعذر كبير.
فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : ” كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ نَرْمِي فَيَرَى أَحَدُنَا مَوَاقِعَ سَهْمِه”.ويفهم من هذا الحديث أن صلاة المغرب في أول وقتها وليس بعد أن تتشابك النجوم.
وقد قدم سيدنا أَبا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ مصر فأَنْكَرَ عَلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ تَأْخِيرَهُ صَلاةَ الْمَغْرِبِ ، وَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” لا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ ” .
أما العشاء فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ “لَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ وَسَقَمُ السَّقِيمِ ،ولولا أن أشق على أمتي لَأَخرت العشاء إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ” .أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
مسألة:
سأل الإمام ابن وهب الإمام مالك عن المرأة تغفل عن الظهر حتى تغشاها الحيضة ثم إذا بها تغشاها الحيضة ومازال الوقت ممدودا،فماذا عليها؟
فقال مالك: فإن غشتها الحيضة في الوقت وما زال الوقت ممدودا فإنها لا تطالب بإعادته والعصر الذي يشترك معه في الوقت لا تطالب بإعادته لأنها حاضت في ذلك الوقت.
لكنه قال أن المرأة إذا طهرت قبل غروب الشمس وباشرت الغسل وقبل أن تكمل الاغتسال غربت الشمس فإنها لا تعيد ظهرا ولا عصرا بل تصلي المغرب الذي دخلت فيه، ويسقط عنها الظهر والعصر.
مسألة أخرى أوردها الإمام مالك:
إذا رأت المرأة الطهر قبل الغروب فأرى أن تغتسل، فإن فرغت قبل الغروب يكون لها أحوال:

إن بقي قبل الغروب ما يكفي للظهر والعصر تصلي الظهر والعصر، وإن بقي ما يكفي العصر دون الظهر صلت العصر وسقط الظهر، وإن بقي لها قدر ركعة واحدة فإن الظهر يسقط وتصلي ركعة من العصر ثم تكمل الثلاث ركعات البواقي بعد غروب الشمس.
*ومن أغمي عليه ولم يفق إلا بعد خروج وقت الصلاة سقطت عليه تلك الصلاة ولا يعيدها.
++++++++++++++++++++++++
وقول سيدنا عمر
الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة تحفظه أو يقظته .
قوله:”لا تكن من الغافلين”
هناك رأي يقول: أن من قال بأن العشاء إلى الثلث، فإن أخرها عن ثلث الليل هو من الغافلين.
قال بعضهم: بأن العشاء يمتد إلى منتصف الليل، فإن من يؤخرها عن منتصف الليل هو من الغافلين
قال بعضهم: لاتؤخرها من غير عذر فتكون من الغافلين.
قال بعضهم:لا تكن عادة التأخير لك عادة فتكن من الغافلين.
*وإذا انشغل المرء عن مطلوب الله وانشغل عنه عن سواه كان من الغافلين.
الحديث:
وحدثني عن مالك عن يزيد بن زياد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل أبا هريرة عن وقت الصلاة فقال أبو هريرة: أنا أخبرك صل الظهر إذا كان ظلك مثلك والعصر إذا كان ظلك مثليك والمغرب إذا غربت الشمس والعشاء ما بينك وبين ثلث الليل وصل الصبح بغبش يعني الغلس”.
يزيد بن زياد، ويقال له أبو زياد واسمه ميسرة، روى هذا الصحابي عن محمد ابن كعب القرضي وروى عنه مالك وابن أبي إسحاق، وقال عنه الإمام النسائي أنه كان ثقة في روايته.
وعبد الله بن رافع كان من عامة ذلك الجيل فهو كان مولى لأم سلمة.
هذا الحديث يقتصر على الأوقات المستحبة أوائلها تقابل أواخرها.
المعنى في هذا الحديث ينطلق من أن الظهر إذا كان ظلك مثلك. يحتمل أن يريد السؤال عن آخر الوقت.وربما كان سيدنا أبو هريرة قد أكد حصول وقت الاختيار(أول وآخر الوقت فيه)
أوربما اعتقد أنه أفضل الوقتين أي في الامتداد لا الانحصار.
وذكر أن وقت بالنسبة للمغرب أنه لا وقت له إلا ذلك- إذا غربت الشمس-.ويمكن أن يكون إذا غربت الشمس للمغرب هو إنكار لتأخير الصلاة عن غروب الشمس.
لكن الإمام الباجي في ” المنتقى” ذكر ارتباط صلاة الصبح بالغبش، فسر الغبش بأنها بقية الظلمة التي تبقى عند صلاة الصبح تسمى غبشا وتسمى غلسا.
ومعنى الغبش اختلاط الظلمة مع النور.ويكون في أول الليل عند المغرب إلى العشاء ويكون عند آخره عند الفجر.
أما الإمام الأزهري فقال أن الليل فيه غبس وغبش وغلس،وهي مراحل تكون في آخر الليل عندما ينشق الفجر تكون ظلمة،ثم تبدأ في الانفراج حالا بعد حال.
فإذا كان في الحالة الأولى فهو غبس
إذا كان في الحالة الثانية فهو غبش
وإذا كان في الثالثة فهو غلس
يقول الإمام ابن حجر العسقلاني لعل أبا هريرة لما ذكر آخر الوقت بالنسبة للظهر وللعصر وللعشاء.لعله سئل عن أوله في المغرب ولم يسأل عن أوله في باقي الصلواة فذكر أوله في المغرب ولم يذكره في الصلواة الأخر.
تجدر الإشارة أن كل من يذكر في الحديث راويا عن صحابي فهو تابعي وليس صحابيا، وإذا أخذ عن تابعي فهو من تابعي التابعي.وإلى لقاء مع حديث تالٍ، والله الموفق وعليه التكلان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *